السابع والعشرون من شهر رمضان المُبارك ..
ــــــــــــــــــــــــ
في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المُبارك ، ليلة القدر ، وأكثر العلماء على أنها في مثل هذه الليلة ، وسُميّت ( ليلة القدر ) لشرفها على باقي الليالي ، إذ فيها أُنزل القرآن الكريم من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، وجعله الله في بيت العزّة ، ثم نزل به جبريل ـ عليه السلام ـ على قلب الرسول الأمين مُحَمّد ( صلى الله عليه وسلّم ) منجماُ على حسب الوقائع ومناسبات الأحوال ، وقد سُميّت ( ليلة القدر ) لأن الله تعالى يقدّر فيها ما يشاء من أمره سبحانه وتعالى إلى السنة التالية ، وليلةُ القدر يُكثر فيها الثواب يضاعَف ، وهي خيرٌ من ألف شهر .
ــــــــــــــــــــــــ
في مثل هذا اليوم من شهر رمضان المُبارك فُرضت زكاة الفطر في المدينة المنّورة ، زكاة الفطر ، ويقال لها أيضاً ( صدقة الفطر ) ، ومن الدليل على فرضيتها قوله تعالى : ] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىَ [ . وما رُوي عن ابن عُمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ( عليه الصلاة والسلام ) فَرَض زكاة الفِطر صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير على كل حُرٍ أوْ عَبْدٍ ، ذكر أو أنثى من المسلمين ، وصدقة الفِطر تزكيةٌ لنفس الصائم وطُهرَةٌ لصومه .
ــــــــــــــــــــــــ
في مثل هذا اليوم من شهر رمضان المُبارك تُجَدَّ كسْوَةَ الكعبة من كل عام ، وكانت الكعبة المشرَّفَة تُكسَى مرتين في العام على عهد عثمان بن عفَّان ـ رضي الله عنه ـ ، الأولى بالديباج يوم التَّرْوِية ، وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة ، والأخيرة يوم السابع والعشرين من شهر رمضان المُبارك ، ولا يزال الحال مستمراً في العهود الإسلامية التي تَلَتْ .
ــــــــــــــــــــــــ
في مثل هذا اليوم من شهر رمضان المُبارك تولّى الخلافة الأمويّة الخليفة عبد الملك بن مروان ، من أعظم الخلفاء ودُهائهِم ، فقيهاً واسعَ العِلْم ، متعبداً ناسكاً ، أستعمله معاوية على المدينة المنّورة وهو ابن ست عشرة سنة ، وانتقلت إليه الخلافة بموت أبيه في مثل هذا العام ، فضبط أمورَها ، وظهر بمظهر القوة ، واجتمعت عليه كلمة المسلمين ، وهو أول من صكّ الدنانير في الإسلام ، وكان نقشُ خاتمِه ( آمنتُ بالله مُخلصاً ) ، تُوفي بدمشق عام 86 للهجرة النبوية الموافق للعام الميلادي 705 .
ــــــــــــــــــــــــ
في مثل هذا اليوم من شهر رمضان المُبارك ، المصادف للخامس عشر من شهر حزيران للعام الميلادي 714 ، رحل الحجّاج بن يوسف بن عقيل الثقفي ، احتل الحجاج بن يوسف الثقفي مكانة متميزة بين أعلام الإسلام ، ويندر أن تقرأ كتابًا في التاريخ أو الأدب ليس فيه ذكر للحجاج الذي خرج من سواد الناس إلى الصدارة بين الرجال وصانعي التاريخ بملكاته الفردية ومواهبه الفذة في القيادة والإدارة . وعلى قدر شهرة الحجاج كانت شهرة ما نُسب إليه من مظالم ؛ حتى عده كثير من المؤرخين صورة مجسمة للظلم ، ومثالا بالغا للطغيان ، وأصبح ذكر اسمه يستدعي في الحال معاني الظلم والاستبداد ، وضاعت أعمال الحجاج الجليلة بين ركام الروايات التي تروي مفاسده وتعطشه للدماء ، وإسرافه في انتهاكها ، وأضافت بعض الأدبيات التاريخية إلى حياته ما لم يحدث حتى صار شخصية أسطورية بعيدة كل البعد عن الحقيقة والواقع ، وقليل من المؤرخين من أنصف الحجاج ، ورد له ما يستحق من تقدير . وإذا كان الجانب المظلم قد طغى على صورة الحجاج ، فإننا سنحاول إبراز الجانب الآخر المشرق في حياته ، والمؤثر في تاريخ المسلمين حتى تستبين شخصية الحجاج بحلوها ومرها وخيرها وشرها .
المولد والنشأة :
في الطائف كان مولد الحجاج بن يوسف الثقفي في سنة ( 41 هـ = 661 م ) ، ونشأ بين أسرة كريمة من بيوت ثقيف ، وكان أبوه رجلا تقيًّا على جانب من العلم والفضل ، وقضى معظم حياته في الطائف ، يعلم أبناءها القرآن الكريم دون أن يتخذ ذلك حرفة أو يأخذ عليه أجرا . حفظ الحجاج القرآن على يد أبيه ثم تردد على حلقات أئمة العلم من الصحابة والتابعين ، مثل : عبد الله بن عباس ، وأنس بن مالك ، وسعيد بن المسيب ، وغيرهم ، ثم اشتغل وهو في بداية حياته بتعليم الصبيان ، شأنه في ذلك شأن أبيه . وكان لنشأة الحجاج في الطائف أثر بالغ في فصاحته ؛ حيث كان على اتصال بقبيلة هذيل أفصح العرب ، فشب خطيبا ، حتى قال عنه أبو عمرو بن العلاء : " ما رأيت أفصح من الحسن البصري ، ومن الحجاج " ، وتشهد خطبه بمقدرة فائقة في البلاغة والبيان .
الحجاج وابن الزبير :
لفت الحجاج أنظار الخليفة عبد الملك بن مروان ، ورأى فيه شدة وحزما وقدرة وكفاءة ، وكان في حاجة إليه ؛ حتى ينهي الصراع الدائر بينه وبين
حاصر الحجاج مكة المشرفة ، وضيّق الخناق على ابن الزبير المحتمي بالبيت ، وكان أصحابه قد تفرقوا عنه وخذلوه ، ولم يبق سوى قلة صابرة ، لم تغنِ عنه شيئا ، ولم تستطع الدفاع عن المدينة المقدسة التي ضربها الحجاج بالمنجنيق دون مراعاة لحرمتها وقداستها ؛ حتى تهدمت بعض أجزاء من الكعبة ، وانتهى القتال باستشهاد ابن الزبير والقضاء على دولته ، وعودة الوحدة للأمة الإسلامية التي أصبحت في ذلك العام ( 73 هـ = 693 م ) تدين بالطاعة لخليفة واحد ، وهو عبد الملك بن مروان . وكان من أثر هذا الظفر أن أسند الخليفة إلى الحجاج ولاية الحجاز مكافأة له على نجاحه ، وكانت تضم مكة والمدينة والطائف ، ثم أضاف إليه اليمن واليمامة فكان عند حسن ظن الخليفة وأظهر حزما وعزما في إدارته ؛ فتحسنت أحوال الحجاز ، فأعاد بناء الكعبة ، وبنى مسجد ابن سلمة بالمدينة المنورة ، وحفر الآبار ، وشيد السدود .
الحجاج في العراق :
بعد أن أمضى الحجاج زهاء عامين واليًا على الحجاز نقله الخليفة واليا على العراق بعد وفاة أخيه بشر بن مروان ، وكانت الأمور في العراق بالغة الفوضى والاضطراب ، تحتاج إلى من يعيد الأمن والاستقرار ، ويسوس الناس على الجادة بعد أن تقاعسوا عن الخروج للجهاد وركنوا إلى الدعة والسكون ، واشتدت معارضتهم للدولة ، وازداد خطر الخوارج ، وقويت شكوتهم بعد أن عجز الولاة عن كبح جماحهم . ولبى الحجاج أمر الخليفة وأسرع في سنة ( 75 هـ = 694 م ) إلى الكوفة ، وفي أول لقاء معهم خطب في المسجد خطبة عاصفة أنذر فيها وتوعد المخالفين والخارجين على سلطان الخليفة والمتكاسلين عن الخروج لقتال الخوارج الأزارقة ، وخطبة الحجاج هذه مشهورة متداولة في كتب التاريخ ، ومما جاء فيها :
يا أهـل الكوفة إنـي لأرى رؤساً قـد أينعت وحـان قطافها وإنـي لصاحبـها
وما كاد الحجاج يقضي على فتنة الخوارج حتى شبت ثورة عارمة دامت ثلاث سنوات ( 81 - 83 هـ = 700 – 702 م ) زعزعت استقرار الدولة ، وكادت تعصف بها ، وكان يقودها " عبد الرحمن بن الأشعث " أحد رجالات الحجاج الذي أرسله على رأس حملة جرارة لإخضاع الأجزاء الشرقية من الدولة ، وبخاصة سجستان لمحاربة ملكها " زنبيل " . وبعد أن حقق ابن الأشعث عددا من الانتصارات غرّه ذلك ، وأعلن العصيان ، وخلع طاعة الخليفة ، وكان في نفسه عجب وخيلاء واعتداد كريه ، وبدلا من أن يكمل المهمة المنوط بها عاد ثائرا على الدولة الأموية مدفوعا بطموحه الشخصي وتطلعه إلى الرئاسة والسلطان . ووجد في أهل العراق ميلا إلى الثورة والتمرد على الحجاج ، فتلاقت الرغبتان في شخصه ، وآزره عدد من كبار التابعين انغروا بدعوته ، مستحلّين قتال الحجاج بسبب ما نُسب إليه من أعمال وأفعال ، وحالف النصر ابن الأشعث في جولاته الأولى مع الحجاج ، واضطرب أمر العراق وسقطت البصرة في أيدي الثوار ، غير أن الحجاج نجح في أن يسترد أنفاسه ، وجاء المدد من دمشق وواصل قتاله ضد ابن الأشعث ، ودارت معارك طاحنة حسمها الحجاج لصالحه ، وتمكن من سحق عدوه في معركة دير الجماجم سنة ( 83 هـ = 702 م ) ، والقضاء على فتنته .
وفي الفترة التي قضاها الحجاج في ولايته على العراق قام بجهود إصلاحية عظيمة ، ولم تش
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ